تعلم فن القيادة ! (13)
تحدثنا في الحلقة الماضية عن صفات القائد حتى الخامسة والعشرين، والمستلهمة من سيرة القائد الأول والأعظم للبشرية، محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة والسلام، ونختم حديثنا اليوم عن بقية الصفات..
السادس والعشرون ـ القائد الفعّال من صفاتهِ أيضاً: أنه يدرك التغيرات التي تحدث حوله من أمور سياسة واجتماعية واقتصادية، لنرى النبي صلى الله عليه وسلم كيف عمل على تحالفات ومهادنات كثيرة مع عدة فئات، وكم كان له من مرونة في هذا المجال كما في صلح الحديبية مثلاً.
وكذا نجده كيف استجلب المنجنيق من الأردن ليقاوم به أهل الطائف الذين كانوا متحصنين، ولنطلع عليه يوم بدر الكبرى -أول معركة يقودها- كيف استعمل أساليب مغايرة لما تعرفه العرب -كانت طريقتهم المعهودة هي الكَرُّ والفَرُّ- فلما بدأ القتال أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يقفوا، ثم أمرهم بالجلوس على الركب ويشهروا السيوف والرماح، فقال أبو جهل ومن معه: إن هذا الأمر لا تعرفه العرب.
ولننظر مفاجئته العرب يوم الأحزاب بأمر لم تعهده من قبل -وكان ذاك من استفادته من الخبارت الأخرى كالروم والفرس- وذلك باستشارته لسلمان رضي الله عنه في حفر الخندق.
كان صلى الله عليه وسلم بحقٍّ قائداً فعّالاً يأتي دوماً بأساليب جديدة، ويفكر ويبتكر ما لم يسبق لمثله.
تعلم الصحابة رضي الله عنهم هذه المعاني من النبي صلى الله عليه وسلم فهذا عمر رضي الله عنه يجعل الدواوين والسجلات تضبط الأسماء وتميزها وينظم الأمور حتى التي لم يك مثلها في عهده صلى الله عليه وسلم ولا زمن سابقة أبي بكر رضي الله عنه، لكن استطاع أن يستفيد مما وصلت إليه الأمم من حوله.
السابع والعشرون ـ فالقائد الفعّال: مَرن متكيِّفٌ متفاعلٌ متأثرٌ مبدعٌ ومغامرٌ يستفيد من العلوم التي توصلت إليها البشرية كما أنه يعملها من حيث وصلوا إليها؛ ليتقدم بها حتى على أصحابها، ويستغلها حتى يولِّد منها أشياء تنبثق عن جذورها بثمار مختلفة لم تعلم من قبل فينجح. ونجد من لا يغامر ولا يخاطر ويقبع الأرض يفوته خيرات كثيرة، قال الشاعر:
ومن يتهيَّب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
الثامن والعشرون -والقائد الفعَّال هو الذي يسمع من متبوعه أو من عدوه ليعلم ما عنده- كما قال صلى الله عليه وسلم: «الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها»، فمثلاً كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع حتى لطغاة قريش في بدء الرسالة- ولا يقاطع المتكلم حتى ينتهي من كلامه ويفهم مراده.
وهذا مما يركز عليه علماء الغرب، وقد ثبت في خبر علي رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كلمه أحد التفت إليه بكليته) كما في «شمائل الترمذي» فيعطيه كامل الانتباه وكأنه يعتني بقوله غاية الاعتناء.
فالقائد الفعال الذي يسمع، والذي يستمع بإصغاء يفهم، والذي يفهم يقرر ويدبر، ويأتي بالأمر الناجح المدروس السليم، وبهذا يزرع الثقة عند الآخرين بقرارته الحكيمة المحمودة العاقبة وبهذه الصفات يتابعونه وينقادون لقوله نحو الهدف؛ لأنهم يرون أن الصحيح الصحيح هو دربه وطريقه ومنهجه.
التاسع والعشرون ـ خاتمة البحث: فإذاً معاني القيادة جليلة وكثيرة ومهما تكلم أحدنا في هذا المجال يجد في السيرة النبوية وسير أصحابه وخلفائه صلى الله عليه وسلم الشيء الكثير، وما ذكر في هذه العجالة يعدُّ كمقدمات في صنع نظريات القيادة الإسلامية الحديثة التي نستطيع أن نبرزها إلى الوجود ليستشف منها المسلمون والعرب ما يضاهون به الغرب، ونستطيع أن نسود من جديد ونعلو بما رفعنا الله به من دين وعز كما قال تعالى: ?ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين? [آل عمران: 139].
نفعني الله وإياكم بالذكر الحكيم، وهدانا جميعاً إلى صراطه المستقيم في متابعة سيرة نبيه الأمين، المطاع الكريم، واجعلنا يا ربّ من عبادك المفلحين، الفائزين الصالحين، وأثبنا بالتوفيق والقيادة في الدنيا، و ?اجعلنا للمتقين إماماً? [الفرقان: 74] في الدين، وأكرمنا في دار إكرامك في الفردوس الأعلى مع السادة والقادة النبيين، وعلى آل كلٍّ وسائر المتبعين لهم بإحسان، إلى يوم الدين.
|