لكي تكون من صناع التأثير
اتجه نحو التركيز
د. علي الحمادي
من قرر أن يكون سوبرماناً و أصر أن يفعل كل شيء فأخشى أنه لن يفعل أي شيء، ذلك لأن قدرات الإنسان و إمكاناته محدودة، كما أن وقته وجهده محدودان.
لذا من أراد أن ينتج إنتاجاً متميزاً، و يؤثر تأثيراً بالغاً فعليه أن يركز في مجال واحد (أو مجالات قليلة) و يسبر أغواره، و يتمكن من جوانبه الدقيقة و تفاصيله المتعددة.
"إن النجاح ما هو (بعد توفيق الله تعالى) إلا شحنة من الطاقة تم توجيهها في الاتجاه الصحيح، و إن التركيز هو المفتاح السحري الذي يفتح الأبواب، فالقاعدة الأولى في تحقيق النجاح هي التركيز.
لذلك وجه جميع طاقاتك إلى نقطة واحدة، و اتجه إلى ذلك مباشرة، و لا تنظر إلى اليمين أو الشمال، و يمكنك أن تحقق في الوقت المناسب ما رغبت فيه إذا نظرت إلى الاتجاه الذي ترغب فيه، وإذا استجمعت كل طاقاتك نحو تحقيقه، وعندما يتم تركيز قدراتك البدنية و العقلية و النفسية فإن طاقاتك في حل المشكلات سوف تتضاعف بشكل كبير.
لذا حدد أهدافك، و اسع لتنفيذها على دفعات بناءً على أهميتها، و اعلم أنه لا شيء يمكنه أن يضيف مزيداً من الطاقة لحياتك أكثر من تجميع كل طاقاتك على نطاق محدد من الأهداف، و تذكر أن أشعة الشمس لا تصل إلى درجة الحريق إلا إذا تم تركيزها عن طريق المجهر".
إن الذي يحطم مجموعة من الخشب أو الطابوق في رياضة الجوجو أو الكراتيه لا يستعمل قواه البدنية إلا بنسبة يسيرة جداً، أما القوة الحقيقية في كسر كل هذا الطابوق أو الخشب فتكمن في رياضة الذهن، و هي عبارة عن التركيز ذهنياً على منطقة الوسط.
و انظر كذلك إلى الكوغر و هو حيوان من فصيلة الفهود، عندما يريد اصطياد الكسلان (حيوان بطيء الحركة) فإنه يجعل ذلك هدفاً له في وقت معين فلا ينشغل بغيره، بل إنه يركز كل طاقاته و قدراته و خبراته و حنكته في تحقيق هذا الهدف.
و رغم قوة الكوغر وشدة مخالبه إلا أنه يستمر في تنمية قدراته التي تعينه على تحقيق هدفه، إذ يشحذ مخالبه بجذع شجرة ملقى على الأرض قبل كل محاولة لتسلق الشجرة لاصطياد الكسلان.
كما يتميز الكوغر بالمثابرة و الإصرار و الثبات على الطريق و هو ذكي غير متهور، كما يقيم و يراجع خطواته وخطته باستمرار.
و لقد ركز الرسول صلى الله عليه وسلم في بداية دعوته في مكة على العقيدة، و كان يقول لقومه: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا".
و استمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على غرس التوحيد ثلاثة عشر عاماً، فصنع جيلاً فذاً، راسخاً في إيمانه، ثابتاً على دينه، قوياً في مبادئه، و لذا عندما ارتدت الجزيرة العربية عن الإسلام بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ثبت هذا الجيل ،وقاد المعارك الكبرى على المرتدين حتى عادوا إلى دينهم.
وانظر كذلك إلى صلاح الدين الأيوبي، الذي جعل له هدفاً واحداً (وهو تحرير المسجد الأقصى) إذ ركز عليه، و بذل في سبيله وقته وتفكيره و جهده فاستطاع أن يحققه، فأثلج بذلك صدر الأمة الإسلامية، و رفع به رؤوس أبنائها، وأصبح مثلاً يقتدى به و رمزاً يتغنى ببطولاته، فرحمه الله.
و هذه شركة (M3) حاولت عمل كل شيء فأدركت الفرص الكبيرة تضيع في وسط الزحام، فطالبت كل مشروع أو كل فرع للشركة بالتركيز على منتجين يملكان أفضل فرص للنجاح.
و قد قامت شركة (VSF&G) (التي تعتبر من كبريات شركات تأمين الممتلكات و الحوادث في الولايات المتحدة) باتخاذ قرار بقصر خدماتها على المناطق التي يحتاج عملاؤها فيها إلى خدماتها بصورة فعلية، ثم قامت ببيع أكثر من ثلاثة عشر فرعاً لكي تتمكن من تركيز اهتمامها على ما تبقى لديها من الفروع و العملاء.
علاوة على ذلك فإن المدير العام لشركة (VSF&G) نورم بلاك قام باتخاذ قرار بقصر النشاط فقط على المناطق التي لم تحظ فيها الشركة بنصيب عادل من حجم السوق، ثم بدأت الشركة في التركيز على مجموعات العملاء في كل المناطق التي يحتاجون فيها فعلياً للشركة، و تلك التي لم تحظ فيها بنصيب عادل من السوق بعد أن لاحظت الشركة أن هؤلاء العملاء (بصفة خاصة) قد تمكنوا (أثناء قيام الشركة بتطبيق إستراتيجية التركيز على البؤرة) من انتشالها من حافة الإفلاس، و لذلك فقد نجحت عام (1994) في تحقيق ربح صاف قدره(232) مليون دولار أمريكي بزيادة قدرها (41%) عن العام الأسبق.
أما بالنسبة لـ (Giordano) فهو متجر تجزئة يخدم طبقة الشباب المنتجة سريعاً إلى تحقيق مستوى اجتماعي أفضل في منطقة جنوب شرق آسيا، لذا فقد انطلق سريعاً في سوق الصين الضخم لكنه اكتشف مبكراً أنه يخسر أمواله.
لذلك شعر رئيس مجلس الإدارة (Peter Lan) أن الشركة ليس لديها بؤرة اهتمام محددة، و قرر على الفور تقليد شركة التجزئة الأمريكية الناجحة (The Gap) في أسلوب عملها ولكن مع توفير الخدمة الأفضل.
و قد أسفرت عمليات جرد واسعة النطاق عن اكتشاف أن عملاء شركة (Giordano) فيما عدا أكبرها.
ثم قام بتجميع المخزون كله في المبنى الواحد الباقي، و ذلك بغرض التركيز الدقيق على بيع الأصناف المربحة التي يحتاجها العملاء الشبان، و نجحت هذه الإستراتيجية في تحقيق مبيعات من المخزون بلغت قيمتها (13) مليون دولار أمريكي، ثم حققت بعد ذلك نمواً هائلاً.
و قد قام آل ريز بتأليف كتاب بعنوان: التركيز مستقبل شركتك يعتمد عليه، يعتبر مؤلف هذا الكتاب أحد الكتاب المشهورين، كما أنه من المنظرين في الاستراتيجيات الإدارية، وله عدد من المؤلفات الناجحة.
يعرض المؤلف في هذا الكتاب مشكلة المؤسسات الناجحة التي تبدأ عملها بالتركيز على منتج معين أو خدمة سوق محدد، و بمرور الوقت تبدأ هذه المؤسسات بفقدان تركيزها، حيث تبدأ بعرض منتجات كثيرة أو بتقديم خدماتها لعدة أسواق، و بأسعار مختلفة، و بهذا تفقد هذه المؤسسات أو الشركات الإحساس بوجهتها و تتخبط، مما يجعلها تهوي في قاع الفشل بعد أن كانت في قمة النجاح.
وقد تطرق المؤلف في هذا الكتاب إلى مناقشة النقاط الأربع الرئيسة التالية:
1) الحافز نحو التوسع: حيث يعرض خطأ كثير من المؤسسات التي ترى أن المنطق يتطلب تحقيق النمو من خلال التوسع في نشاطات الشركة (التوسع في المنتجات، التوسع في خطوط الإنتاج، التوسع في التنوع، التوسع في أشكال التوزيع ومخارجه)، و ذلك لأن المؤسسات تحب أن ترى ازدياداً سنوياً ملحوظاً في المبيعات و الأرباح، و لكن مثل هذا المسعى يؤدي إلى عدم تركيز المؤسسات و من ثم تتشتت جهودها التي تقودها إلى الخسارة.
2) ضيق من تركيزك: فلكي تنمو المؤسسات فهي بحاجة إلى أن تضيق من مدى المنتجات و الخدمات التي تقدمها لجمهور المشتركين أو العملاء، فالحس السليم يحتم على المؤسسات التركيز من البداية حتى تكفى مؤونة العناء فيما بعد، و أن اللحظة التي تبدأ بها المؤسسة في ملاحقة الفرص الثانوية تكون في بداية الانحدار.
3) ابحث في كلمتك (شعارك): إذ يحسن بالمؤسسة أن يكون شعارها بسيطاً و بارزاً، و الوضع المثالي للشعار أن يحدد بكلمة واحدة، فإذا استطاعت المؤسسة أن تمتلك كلمة واحدة في ذهن المستهلك فستكون مؤسستك من المؤسسات التي تقود السوق، و من الأمثلة في هذا السياق: (كوداك) عند التفكير بالأفلام، (جوديير) للإطارات، (كلينكس) للمناديل الورقية، (زيروكس) للناسخات.
وليس بالضرورة أن يكون التركيز منتجاً بل يمكن أن يكون خدمة أو فكرة، مثلاً تركيز فيدرال اكسبرس "التوصيل الليلي"، تركيز شركة فولفو لصناعة السيارات "الأمان". يجب أن تركز المؤسسة أو الشركة بكاملها على هذه الكلمات.
وليس بالضروري أن يكون ذلك ناجحاً بشكل فوري، ذلك لأنه حين يكون التركيز ضيقاً، يتناقص حجم المبيعات في البداية، ثم تتزايد المبيعات على المدى البعيد، و عندما توسع من دائرة تركيزك يحدث العكس حيث تزداد المبيعات على المدى القصير، و تتناقص على المدى البعيد، و لأن النتائج ليست فورية فإن من العسير على غالبية الناس أن يربطوا بين السبب و النتيجة.
إن التركيز القوي غالباً ما يكون غير فعال على المدى القصير، و لا يمكن أن تحقق المؤسسة الهيمنة على السوق إلا الالتزام بالتزام التركيز على المدى البعيد.
4) التركيز يتطلب شجاعة: لا بد للقادة و المؤثرين الذين يريدون تطوير مؤسساتهم عن طريق التركيز أن يأخذوا في اعتبارهم أنهم سيواجهون مقاومة شديدة، لأن التركيز يسير بعكس تيار التفكير التقليدي، لذا لا بد أن تكون لديهم شجاعة و جرأة على اتخاذ قرار التركيز ثم انتظار رد فعل السوق على خطواتهم.
كما أن قرار التركيز يستدعي أن تكون هناك سيطرة محكمة من الجهات العليا في المؤسسة، والتي بدونها (أي بدون السيطرة) ستفقد المؤسسة تركيزها لتعود إلى التمدد و التنوع في النشاطات المختلفة.